محمد بن زكريا الرازي
441
الحاوي في الطب
قال : وأنا أصف دلائل الدق المبتدئة السهلة البرء . قال : وهذه الحمى إذا كانت وحدها سهل تعرفها ، وإن كانت مع حمى عفن عسر الوقوف عليها . فضع أنها بدت مفردة مع بعض الأسباب التي ذكرناها - يعني سهرا أو جوعا أو تعبا أو حمى يوم - وأنه ظهر في أول يوم من الحمى جميع الدلائل الدالة على حمى يوم ، فإذا كان ذلك ورأيت الحمى قد دامت إلى اليوم الثاني لا تسكن ولا تقلع ولا تشتد وتقوى ورأيت البدن أزيد يبسا وجفوفا وقد أقبلت إلى الدق ، فإن بقيت كذلك إلى اليوم الثالث لم تتزيد الحمى ولم تنقص تزيدا أو تنقصا ذا قدر لكن رأيت بقايا تلك الحمى اليومية امتدت ودامت مع يبس وجفوف ، وجدت الحرارة في أول اللمس هادئة لينة ، وإذا طال لبث كفك على البدن احتدت ولذعت ووجدت يبسا فالحمى دق ، وأقوى العلامات وأبعدها من الشك هو أنه بعد أن يتناول العليل الغذاء بساعة أو ساعتين يتوهم عليه جميع من مسه أنه قد حدث في حماه تزيد حتى يكون من أناله ذلك الغذاء غير بعيد من أن يلام على أنه غذاؤه في وقت النوبة ، وليس الأمر كذلك لكن هذا غير مفارق لجميع من به الدق أن يكون إذا تناول الغذاء تلتهب الحرارة وتقوى وتتزيد نبضه عظما وسرعة ، حتى يظن به من رآه أنه قد حدث له نوبة من غير تضاغط - أعني بقولي تضاغط إذا لم يكن مع النوبة اقشعرار ولا برد في الأطراف ولا حال تشبه بالميل إلى النوم ولا كسل ولا اختلاف أصلا في الحرارة والنبض ولا ضعف ولا شيء من أشباه هذه الأعراض لكن يصير النبض سريعا أسرع وأعظم مما كان يصير في غير من هذه حاله إذا اغتذى . وقد يكون في بعض الحالات حمى غير دق وتزيد الحرارة من غير تضاغط ؛ والفرق بينها وبين الدق أن تلك تعرض في جميع الأوقات ، وهذه إنما تعرض بعقب وقت الغذاء . وليس لحمي الدق في وقت من الأوقات نوبة لكنها دائمة متصلة كسونوخس إلا أنها وإن كانت دائمة مطبقة فإنها تنفصل من سونوخس بالحرارة ، وذلك أن الحرارة في سونوخس كلهيب النار والنبض أعظم ما يكون وأسرعه وأشده تواترا فأما الدق فلا تلقى اليد منها حرارة كثيرة ويكون النبض أصغر وأشد تفاوتا من نبض سونوخس بحسب نقصان حرها عنها ، ويعم جميع أصناف حمى الدق أن تكون ضعيفة وتبقى مستوية دائما منذ أولها إلى آخرها بحال واحدة . قال : ويخص ما يكون من حميات الدق التي معها ذبول أن تكون يابسة فإنه قد تكون حميات من الدق لا يبس معها ولا تنتقل إلى الذبول . لي : هذا القول بالإضافة إلى التي معها ذبول ، فأما جميع أصناف الدق فمعها يبس ، وتنتقل إلى الذبول إن دامت . قال : فحميات الدق تخالف الحميات المطبقة لما وصفنا ، وأما الحميات التي يكون في ابتدائها تضاغط فأن يهيج ذلك بأصحاب الدق بعقب الغذاء ولهؤلاء بخلاف ذلك ، والأمر يزداد عند أخذه الغذاء ثانية . عندك بيانا إذا تفقدت كم يدوم التغيير الحادث بعد الغذاء من